ما قبل الفترة الاستعمارية

تشير الآثار التى وجدت فى لوندا ، والكونغو ، وصحراء ناميبيا، إلى أن المنطقة المعروفة حاليا بأنجولا ، كانت فيما مضى إبان عصور ما قبل التاريخ مأهولة بالسكان . ومع ذلك ، فقد وفدت الى هذه المنطقة بعد آلاف السنين ومع بداية التاريخ المدون مجتمعات أكثر تقدماً. وكان أول من استقر بها البوشمن Bushmen الذين يشبهون الأقزام من الناحية البدنية وإن كانت بشرتهم قد تميزت بلونها البنى الفاتح ، ذلك فضلاً عن شهرتهم كصيادين عظماء.

ومع بداية القرن السادس الميلادى ، بدأت واحدة من أكبر الهجرات فى التاريخ، قام بها أناس تميزوا ببشرتهم ذات اللون الداكن وبتقدمهم في الناحية التقنية .. أولئك كانوا البانتو Bantu الذين قدموا من الشمال ربما من منطقة ما تقع بالقرب مما تعرف اليوم بجمهورية الكاميرون. وبرع شعب البانتو فى أعمال تشكيل المعادن. وعندما وصلوا إلى أنجولا الحالية حدثت المواجهة بينهم وبين البوشمن وغيرهم من الجماعات العرقية الأقل تطوراً وسرعان ما سيطروا على تلك الجماعات بفضل معرفتهم بصناعة المعادن ، والخزف ، والزراعة. وانتشر البانتو بالمنطقة خلال فترة من الزمن امتدت إلى قرون ، وتكونت منهم جماعات تباينت فى صفاتها العرقية والتى لا يزال بعضها موجوداً إلى يومنا هذا.

وفى القرن الثالث عشر ، ظهر فى المنطقة اول كيان سياسى ضخم عرف بمملكة الكونغو التي امتدت من الجابون فى الشمال إلى نهر كوانزا في الجنوب ، ومن المحيط الأطلنطى فى الغرب الى نهر كوانجو فى الشرق.

وكانت الزراعة هى المصدر الرئيسى لثرواتهم . وكانت السلطة في أيدي الأرستقراطيين من "المانى Mani" الذين تقلدوا المناصب الرئيسية فى المملكة وخضعوا فقط لملك الكونغو الجبار. وأطلق اسم مبانزا Mbanza على وحدة اقليمية يديرها ويحكمها المانى وكانت عاصمتها مبانزا كونغوMbanza Congo والتى بلغ عدد سكانها فى القرن السادس عشر ما يزيد عن خمسين الف نسمة. وكانت مملكة الكونغو مقسمة فى ذلك الوقت الى ست مقاطعات واشتملت على بعض الممالك غير المستقلة مثل ندونجو Ndongo الى الجنوب . وتمثل النشاط الاقتصادى الرئيسى للاقليم فى التجارة التى اعتمدت أساساً على الزراعة المنتجة وعلى الاستغلال المتزايد للثروة المعدنية. وفى عام 1482 وصلت الى الكونغو قوافل برتغالية بقيادة ديوجو كاو تبعتها حملات استكشافية أخرى وسرعان ما نشأت علاقات وثيقة بين البلدين .

وجلب البرتغاليون أسلحة نارية صغيرة وبشروا بديانة مشوقة، وفى المقابل، قدم لهم ملك الكونغو العبيد ، والعاج ، والمعادن . وسرعان ما تحول ملك الكونغو إلى المسيحية ، وتبنى نظاما سياسيا مماثلاً للنظم الأوروبية، واصبح شخصية معروفة في أوروبا لدرجة استقباله مبعوثين من البابا . والى الجنوب من مملكة الكونغو وحول نهر كوانزا ، كانت هناك دولاً هامة مختلفة منها مملكة ندونجو Ndongo والتى كان يحكمها النجولا Ngola (ملك) الأكثر أهمية فى ذلك الوقت. وكان نجولا كيلوانج فى السلطة عندما قدم البرتغاليون، واتبع هذا الملك سياسة التحالف مع الدول المجاورة، ونجح فى الصمود لعقود عديدة ضد الأجانب رافضاً الاذعان لهم. وفى النهاية، ضرب عنقه فى لواندا . وبعد ذلك بسنوات، هب الندونجو وتولوا السلطة مرة أخرى عندما تولت الملكة جينجا الحكم وأخذت بزمام السلطة، ونجحت بدهائها وحنكتها السياسية فى تقييد حرية البرتغاليين واخضاعهم للمراقبة بموجب اتفاقيات تم اعدادها بمنتهى الدقة والحذر . وبعد قيامها برحلات مختلفة ، نجحت عام 1635 فى تكوين تحالف كبيراً مع الدول ماتامابا ، وندونجو ، والكونغو ، وكاسانجى، وديمبوس ، كيساماس . وكان إجبار البرتغاليين على الانسحاب أهم ثمار هذا التحالف الخطير.

وكانت البرتغال فى تلك الأثناء قد احتلت من أسبانيا، الأمر الذى جعل أراضيها فيما وراء البحار تحتل المرتبة الثانية من الاهتمام بعد شئونها الداخلية. واستغل الهولنديون هذا الموقف واحتلوا لواند عام 1614. وتحالفت جنجا مع الهولنديين مما أدى الى تقوية تحالفها المؤقت سالف الذكر واستطاعت بذلك طرد البرتغاليين إلى ماسانجانو والتى حرص البرتغاليون على قوة تحصينها ، وحوصر البرتغاليون بها ورغم ذلك كانوا يقومون بهجمات لأسر العبيد فى حروب الكواتاكواتا . وكان للعبيد من انجولا أهمية بالغة من أجل تنمية مستعمرة البرازيل ، ولكن أدت تلك الأحداث إلى توقف هذه التجارة. وفى عام 1648 قامت قوة كبيرة من البرازيل بقيادة سلفادور كوريا دى سا، باستعادة لواندا مما أدى الى عودة البرتغاليين بأعداد كبيرة .

وبدأ تحالف جينجا فى الانهيار، وأدى غياب الحليف الهولندى بأسلحته النارية ، بالاضافة الى المركز القوى لكوريا دى سا إلى توجيه ضربة قاتلة إلى معنويات القوات الأهلية. وتوفيت جينجا عام 1663. وبعد ذلك بعامين، حاول ملك الكونجو بكل قواته الاستيلاء على جزيرة لواندا التى يحتلها كوريا دى سا، لكنهم هزموا، وفقدوا استقلالهم . وبالمثل استسلمت مملكة ندونجو للتاج البرتغالى عام 1671.


الفترة الاستعمارية المبكرة

عندما هبط البحار البرتغالى دييجو كاو عند مصب نهر الكونغو عام 1483، كانت هناك مملكتين افريقيتين متميزتين تحكمان الإقليم، إحداهما مملكة باكونجو فى الشمال، والأخرى مملكة كيمبوندس والتي كانت تعرف أيضا بندونجو حيث بسطت نفوذها فى المناطق الغربية والوسطى . وكان يطلق على ملك كيمبوندس اسم "نجولا" ، وأصبح اسم الأرض التى اشتقت اسمها من الملك، أنجولا.

كان هدف البرتغال المبدئى محدودا وانحصر فى إنشاء قاعدة ساحلية لامداد سفنها التى كانت تبحر حول افريقيا متجهة إلى الشرق الأقصى وتزويدها بالمؤن . وفى البداية ، كانت العلاقات مع حكام باكونجو يسودها الود والتفاهم، وبدأ وصول المبشرين الكاثوليك ، وسرعان ما تحول ملك باكونجو إلى المسيحية. وفى نفس الوقت، بدأ البرتغاليون فى شراء العبيد من الرؤساء الأفارقة للعمل فى مزارع السكر فى ساوتوميه، وبرنسب ، والبرازيل . وبنمو تجارة العبيد وزيادتها عبر الأطلسى، ازداد التوتر بين البرتغاليين وكل من مملكتى باكونجو وندونجو . وفى عام 1526 ، كتب ملك الباكونجو الى ملك البرتغال يخطره بوجوب إنهاء تجارة العبيد. ورفض البرتغاليون ، وظل الافارقة طوال المائة وأربعون سنة التالية يقاومون الحكم البرتغالى .

ولم تقم لشبونه بتقوية مستعمراتها إلا بعد انتصار البرتغاليين على الهولنديين منافسيهم الرئيسيين عام 1648. وفى النهاية اسفرت معركة أمبيولا عام 1665 عن نجاح البرتغاليين فى فتح باكونجو. ومع ذلك، لم تنجح البرتغال فى فرض سيطرتها الكاملة على انجولا حتى بداية القرن العشرين .


حركة المقاومـــة

وقمعت البرتغال بقسوة، القومية الإفريقية طيلة النصف الأول من القرن العشرين إلى أن جاء عام 1951 حيث قررت فيه البرتغال معاملة انجولا كمقاطعة فيما وراء البحار. وأدى ذلك إلى إشعال الحماس القومي مرة أخرى، وبزغت في الأعوام القليلة التالية ثلاث مجموعات رئيسية للمعارضة .

وفى عام 1956، قام الأفارقة وخليط من العرقيات بتأسيس الحركة الشعبية لتحرير انجولا (MPLA) . وبعد هجوم البرتغاليين على الحركة عام 1961 ، هرب قادتها إلى الدول المجاورة.

وقامت MPLA بشن هجمات حرب عصابات من الكونغو الى كابيندا المحاطة بالأجانب ومن زامبيا نحو انجولا الشرقية، ولم يكن لقوات MPLA سوى تأثير ضئيل فيما وراء هذه المناطق الحدودية، ذلك بالاضافة الى عزل MPLA عن مؤيديها الرئيسيين ، وعن شعب وبوندو فى لواندا ، وعن المقاطعات الشمالية الغربية . ورغم أن MPLA لم تكن قبل الاستقلال ماركسية بشكل معلن، إلا أنها تلقت دعما عسكريا ودبلوماسياً من الاتحاد السوفيتى. وتولى أجوستينو نيتو ابن راعى أبرشية مبوندو المنهجى، رئاسة MPLA طيلة الفترة من 1962 وحتى 1979 .

وقامت جماعة من القوميين فى باكونجو بتكوين الجبهة القومية لتحرير انجولا (FNLA) عام 1962 بعد انتفاضة فاشلة فى الجزء الشمالى الغربى من البلاد. وانطلقت FNLA بقيادة هولدن روبرتو من قواعدها فى زائير . ونظراً للقرابة من خلال الزواج التى كانت تربط هولدن روبرتو من موبيتو سيسيكو الزائيري ، فان FNLA كانت المنظمة الانجولية الوحيدة التى وجدت الملتجأ والملاذ لدى زائير . وتلقت FNLA بعض العون من كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية . ونتيجة للصراع الداخلى ، لم تستطع FNLA الحصول على أى تأييد شعبى خارج نطاق مجتمع الباكونجو .

وأدى الانقسام داخل FNLA الى تكوين الاتحاد القومى للاستقلال الكامل لانجولا (UNITA) عام 1966. وكان جوناس مالييرو سافيمبى خريج جامعة لوزان ، وأحد أعضاء أوفيمبوندو التي تعتبر اكبر قبيلة فى البلاد ، وزيراً لخارجية FNLA حتى عام 1964 . وكرس سافيمبى والذى لم يحصل تقريباً على أى دعم خارجى ، جهوده فى بناء قاعدة سياسية وسط أوفيمبوند والتى تعتبر أكبر جماعة عرقية فى انجولا . ولم تحظ MPLA ولا FNIA بأى تأييد من الأوفيمبوندو .


نهاية الحكم الاستعمارى

فى عام 1974، قامت جماعة من الضباط البرتغاليين الشبان بالإطاحة بحكومة لشبونه ، وأدى ذلك الانقلاب إلى انهيار إمبراطورية البرتغال ، وسارعت الحكومة الجديدة بمنح مستعمراتها الاستقلال. . وبعد مفاوضات جرت فى البرتغال، وافقت أحزاب المعارضة الثلاثة بأنجولا فى يناير 1975 على تشكيل حكومة انتقالية. إلا أنه وخلال شهرين ، راحت FNLA ، MPLA ، UNITA تحارب بعضها البعض مما جعل البلاد على حافة الانقسام إلى مناطق تسيطر عليها الجماعات السياسية المتنافسة .

وبنهاية ذلك العام ، غادر أنجولا ما يزيد عن 90% من المستوطنين البيض الأمر الذى أدى الى فقدان البلاد غالبية قوة العمل الماهرة والنصف ماهرة، وتعمد الكثير من البرتغاليين المغادرين والذين بلغ عددهم الثلاثمائة الف ، تدمير بعض البنية الاساسية للبلاد مفضلين ذلك عن تسليم المصانع والمزارع ووحدات النقل إلى الانجوليين .

وسرعان ما تدخلت القوى العظمى فى النزاع والذى أصبح نقطة الوميض للحرب الباردة . وساندت الولايات المتحدة FNLA ، UNITA بينما تلقت MPLA الدعم من الاتحاد السوفيتى. وفى نفس الوقت، اعتبرت جنوب افريقيا، أنجولا بمثابة خط المواجهة بينها وبين القومية السوداء المناضلة. وكانت انجولا تتاخم ناميبيا والتى كانت فى نفس الوقت مستعمرة تابعة لجنوب افريقيا. وساندت جنوب افريقيا UNITA فى الجنوب. وفى أكتوبر 1975، ساندت جنوب افريقيا هجوماً شنته FNLA ، UNITA ضد MPLA ، وواصلت قوات جنوب أفريقيا زحفها إلى الشمال. واستنجدت MPLA بكوبا وحصلت منها على مساعدة عسكرية. وفى ليلة الاستقلال بدأت الآلاف من الجنود الكوبيين فى الوصول إلى انجولا .

ورغم العداء والكراهية منحت البرتغال انجولا استقلالها فى الحادى عشر من نوفمبر عام 1975. ولم تنقل السيادة إلى السلطة الانتقالية ولا إلى واحدة من حركات الاستقلال ولكن حولتها إلى "الشعب الانجولى"


MPLA تتولى السلطة

أعلنت MPLA التى كانت تسيطر على لواندا ، فوراً قيام جمهورية انجولا الشعبية ، وأصبح أجوستينو نيتو ، أول رئيس للجمهورية . واعتنقت MPLA الشيوعية ، وغيرت اسمها إلى حزب العمال – MPLA (MPLA-PT) . وتم تأميم المشروعات البرتغالية . وأراد نيتو انشاء حزب منضبط متجانس التكوين على غرار النسق السوفيتى ، ومن ثم قام بتخفيض الوضع الحقيقى للحزب ونظم كافة اعضائه فى وحدات أولية هرمية للجان الحزبية.

وبوفاة نيتو عام 1979، وقع اختيار اللجنة المركزية للحركة الشعبية لتحرير انجولا MPLA على جوزيه ادواردو دوس سانتوس ، كرئيس للحزب ورئيس للدولة. ولد دوس سانتوس فى لواندا عام 1942 وهرب إلى زائير عام 1961 فى أعقاب الاجراءات الصارمة التى فرضها البرتغاليون على MPLA، ثم رحل أخيراً الى الاتحاد السوفيتى حيث تخرج هناك كمهندس بترول عام 1969 من معهد البترول والغاز فى باكو بآذربيجان. وأصبح دوس سانتوس أول وزير خارجية لانجولا بعد الاستقلال ، وأصبح وزيراً للتخطيط عام 1978.

الحرب مع UNITA

انسحبت قوات جنوب أفريقيا من انجولا فى مارس عام 1976 عندما أصبح من الواضح ان الولايات المتحدة لا تنوى عسكرياً، معارضة الوجود الكوبى فى انجولا . وساعد ذلك MPLA على توسيع نطاق سيطرتها على شتى انحاء انجولا . ورغم ذلك ، واجهت MPLA مقاومة من الحركات المهزومة والتى لجأت فى ذلك الى حرب العصابات. ومع ذلك ، أثبتت UNITA وحدها قدرتها على البناء ونجحت بذلك فى جذب المساعدات الأجنبية .

بمساعدة جنوب افريقيا ، قام جوناس سافيمبى بإنشاء قاعدة فى جامبا فى الجنوب الشرقى من البلاد . وبالاضافة الى إمداد UNITA بالسلاح والوقود والطعام ، تدخلت أيضاً القوات الجوية والبرية التابعة لجنوب افريقيا نيابة عن قوات حرب العصابات من أجل تطويق المعارك الرئيسية . وساندت جنوب افريقيا UNITA لاضعاف المنظمة الشعبية بجنوب غرب افريقيا (SWAPO) والتى كانت تحارب من قواعد فى جنوب انجولا من أجل استقلال ناميبيا.

وبحلول منتصف الثمانينات ، كان نشاط UNITA ممتداً فى غالبية المقاطعات. وفى عام 1986، قامت الولايات المتحدة والتى كانت الدولة الغربية الوحيدة التى لم تعترف بـ MPLA فى وقت استقلال انجولا ، بتقديم المساعدة العسكرية لـ UNITA كجزء من خطة استراتيجية لدعم حرب العصابات المناهضة للشيوعية فى شتى أنحاء العالم .

انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية سياسة التفرقة العنصرية أدت التغيرات السياسية فى نهاية الثمانينات فى كل من الاتحاد السوفيتى وجنوب افريقيا إلى تغيير الموقف فى انجولا . وتزايدت عدم رغبة الاتحاد السوفيتى فى تمويل المجهود الحربى لـ MPLA. وفى نفس الوقت نتج عن انهيار الحكومات الشيوعية فى أوروبا الشرقية تقويض الايديولوجية الماركسية لـ MPLA . وفى تلك الأثناء، هبت رياح التغيير على جنوب افريقيا ايضاً ، وبدأت حكومة البيض تفقد اهتمامها بمعاركها فى انجولا وناميبيا . وسحبت جنوب افريقيا قواتها من جنوب انجولا عام 1988 ، ووقعت اتفاقية مع انجولا وكوبا يتم بموجبها انسحاب القوات الكوبية من انجولا . ومهدت هذه الاتفاقية الطريق لاستقلال ناميبيا عام 1990

بدء مفاوضات MPLA و UNITA

أدركت MPLA الحاجة إلى مراجعة أفكارها السياسية، وكذلك التصالح مع UNITA . وفى عام 1990 ، نبذت اللجنة المركزية المار كيسة - اللينينية واستبدلتها بالاشتراكية الديمقراطية واقتصاد مختلط. ومهد ذلك الطريق لمفاوضات مع UNITA .

وأدى المأزق الحربي المقترن بتأثير حلفائها الأجانب إلى دفع كل من MPLA ، UNITA الى محادثات سلام. وبعد عام من المفاوضات التى جرت تحت رعاية الحكومة البرتغالية ، مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى السابق كمراقبين ، انتهت بتوقيع اتفاقيات بايسس في مايو عام 1991 . واستهدفت التسوية وقف اطلاق النار ، واندماج قوات كل من الحكومة ، UNITA فى جيش واحد ، وانهاء المساعدة الحربية الخارجية للحزبين ، واستعادة السيطرة الحكومية على المناطق التى يسيطر عليها المتمردين ، واطلاق سراح السجناء السياسيين ، POWs ، واجراء انتخابات حرة وعادلة فى ظل تعدد الأحزاب.

وأكدت MPLA على التزامها بالاصلاح وذلك من خلال اصدار تشريع يسمح بنظام تعدد الأحزاب ، واذاعت القوانين التى تضمن حرية التعبير، والاجتماع ، والتظاهر ، والاتحاد . وتم اصدار تشريع خاص بحرية الصحافة وبالحق فى الاضراب . وبناء على قانون الصحافة، صدرت جرائد ومجلات خاصة لأول مرة منذ الاستقلال . كذلك صدر تشريع جديد ينص على أن الاقتصاد "يعتمد على الوجود المشترك للملكية على اختلاف اشكالها". وبمقتضى القانون ، تتمتع الاستثمارات الأجنبية وكذلك الملكية الأجنبية بحماية الحكومة .

وظهرت احزاب صغيرة عديدة فى أعقاب هذا الاصلاح ، ولأول مرة ، انشأ الانجوليون منظمات غير حكومية وجمعيات مهنية مستقلة، وتوسع مجال الارسال الاذاعى والتليفزيونى الحكومى. ورحبت MPLA بالمزيد من عضويتها ووسعت من نطاق اللجنة المركزية.

عملية الســلام

قامت لجنة سياسية - عسكرية مشتركة ضمن ممثلين عن كل من الحكومة ، UNITA ، وأيضا عن البرتغال ، والولايات المتحدة ، والاتحاد السوفيتى السابق ، بالاشراف على عملية السلام . وكانت هناك بعثة من مراقبى الامم المتحدة لمراقبة العملية . وفى أعقاب مجموعة الأمم المتحدة الأولى التى قامت بالتحقق من انسحاب القوات الكوبية من انجولا ، قدمت بعثة التحقق الثانية (UNAVEM 11) والتى ضمت بضع مئات من المراقبين العسكريين والمستشارين القانونيين ، وخبراء الشئون الأمنية .

وأدى غياب الثقة السياسية ، والصعوبات المتعلقة بنقل الجنود وايوائهم وتموينهم ، والدعم الدولي الهزيل للعملية الى تنفيذ غير متوازن لاتفاقات السلام عبر البلاد . ورفضت UNITA السماح للحكومة باستعادة سيطرتها في مناطق عديدة . وفشلت قوات UNITA فى تسليم الكثير من اسلحتها الثقيلة مما آثار الشكوك خارج مناطق المواجهة . وظل عشرات الألوف من الجنود فى معسكرات سياسية عشية الانتخابات .

انتخابات سبتمبر 1992

على الرغم من المشاكل المعقدة ، أجريت أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب فى انجولا وذلك خلال الفترة 29-30 سبتمبر 1992. وفى هذه الانتخابات، أدى حوالى 91% من عدد الناخبين المسجلين البالغ عددهم 82ر4 مليون ناخب بأصواتهم لانتخاب ممثلين عنهم طيلة فترة برلمانية مدتها أربع سنوات وانتخاب رئيس جديد للبلاد لفترة رئاسة تمتد إلى خمس سنوات . وتقدم لمنصب الرئيس أحد عشر مرشحاً ، بينما تقدم 17 حزبا بالاضافة الى مجموعة ائتلافية واحدة من أجل 220 مقعدا بالجمعية التشريعية الوطنية.

وبعد حصر الأصوات ، وجد أن الرئيس دوس سانتوس قد حصل على 57ر49% من الأصوات وهى نسبة تقل بمقدار ضئيل عن نسبة الخمسين بالمائة التى لا تعاد عندها الانتخابات . وحصل سافيمبى على 07ر40 فى المائة من الأصوات . أما MPLA فقد حصلت فى الانتخابات البرلمانية على 74ر53% من الأصوات بينما حصلت UNITA على 10ر34% . ونتيجة لهذه الانتخابات حصلت MPLA على أغلبية مطلقة مقدارها 129 مقعدا فى المجلس القومي . وحصلت UNITA على 70 مقعداً . واشتركت عشرة أحزاب أخرى فى الواحد وعشرين مقعداً المتبقية. وكان الدعم المقدم لـ UNITA من الأوفيمبوندو بوسط أنجولا .


UNITA ترفض الانتخابات وتعود للحرب

فى 17 أكتوبر 1992 ، اعلنت الأمم المتحدة أن الانتخابات كانت نزيهة وعادلة، لكن UNITA ادعت وجود تزوير اتهمت الحكومة "بسرقة" الانتخابات. وسحب سافيمبى قواده من القوات المفترضة المسلحة الموحدة الجديدة للبلاد ، وعبأ قواته وبدأ هجوماً عسكرياً فى كل أنحاء البلاد.

ورغم النجاح الذى حققته القوات الحكومية فى طرد UNITA من لواندا، ومن عواصم المقاطعات خلال الأشهر القليلة التالية، سيطرت قوات سافيمبى على أجزاء شاسعة من المناطق الريفية . وفى منتصف عام 1993، ازدادت ضراوة الحرب ، وبلغ عدد القتلى فى اليوم الواحد حسب تقديرات الأمم المتحدة حوالى الألف قتيل كثير منهم بسبب الجوع والمرض .

ويبلغ عدد جنود UNITA حوالى 000ر40 جندى، وهذا الجيش مزود بالمدفعية الثقيلة ومعدات الصواريخ وأيضا بالمركبات المدرعة. وأوقفت الولايات المتحدة كل مساعدتها العسكرية لـ UNITA عام 1991 ، وأعلنت جنوب افريقيا عدم تقديم أى دعم للثوار . وعلى ذلك ، اعتمدت UNITA وإلى حد كبير على الاسلحة المخزونة قبل اتفاقية السلام عام 1991 . وتقوم ايضا بشراء بعض الأسلحة من السوق المفتوح بالنقود التى تحصل عليها من استخراج الماس فى المناطق التى تقع تحت سيطرتها . وأدان مجلس الامن للأمم المتحدة ، وبشكل متكرر كافة الهجمات العسكرية وطالب بأن تلتزم UNITA بنتائج الانتخابات . وفى سبتمبر 1993 فرض مجلس الامن التابع للامم المتحدة حظر بيع الاسلحة والبترول ضد UNITA.

الولايات المتحدة تعترف بحكومة انجولا

فقد سافيمبى معظم تأييده الدولى منذ انتخابات عام 1992 . ولامته العديد من الدول من بينها الولايات المتحدة ، وروسيا ، ودول المواجهة المتمثلة فى جنوب أفريقيا ، وزامبيا ، وزامبيا ، وليسوتو وموزمبيق ، وذلك لعدم التزامه بنتائج الانتخابات وعودته للقتال مرة أخرى .

قوات الحكومة تكتسب اراضى

رجح ميزان القوة العسكرية نحو الحكومة عامى 1993 ، 1994. واشترت الحكومة دبابات ، وناقلات جنود مجنزرة ، واسلحة أخرى ثقيلة لتتمكن القوات المسلحة الأنجولية (FAA) من مهاجمة منشآت UNITA . ويقدر بعض المحللين بأن المجهود الحربى سوف يكلف الحكومة كافة عائداتها صناعة البترول فى السنوات الثلاثة إلى السبع سنوات القادمة .


استئناف محادثات السلام

فشلت محاولات عديدة من جانب الأمم المتحدة لاستئناف المفاوضات بين الحكومة الأنجولية ، UNITA . وأخيرا ، وفى نهاية شهر اكتوبر من عام 1993 ، بدأت محادثات سلام جديدة فى لوساكا ، بزامبيا . وخلال شهر من المحادثات وافقت حكومة انجولا ، UNITA على قبول هيكل عام لاتفاقات السلام عام 1991. وتضمنت الاتفاقية اعادة ترسيخ وقف اطلاق النار 1991-1992، والانسحاب ، والإيواء ونزع السلاح من قوات UNITA ، ونزع سلاح المدنيين، واستئناف واتمام تكامل القوات الحربية فى جيش وطنى واحد .

وتعثرت المباحثات فى أول عام 1994 حيث اختلف الجانبان حول اشتراك وزراء UNITA فى الحكومة الوطنية ، وفيما يتعلق باللامركزية السياسية وحول تدابير أخرى تراها UNITA ضرورية لضمان ممارستها لدور هام فى النظام السياسى الجديد .

وأخيراً ، وقعت كل من حكومة انجولا ، UNITA بروتوكول لوساكا فى العشرين من نوفمبر عام 1994 . ونص فى البروتوكول على اشتراك UNITA فى الحكومة وأيضاً فى امكانية اجراء انتخابات رئاسية ثانية. وبدأ العمل بوقف جديد لاطلاق النار، وأعلنت الأمم المتحدة بأنها سوف ترسل بعثة كبيرة للمعاونة فى تنفيذ الاتفاقات.

يونافم 3 UNAVEM III

أصدر مجلس الأمن القرار رقم 976 بتاريخ 8 فبراير 1995 بتكوين UNAVEM III بهدف انتشار 7000 جندى، 350 مراقب عسكرى، 260 مراقب من الشرطة بالاضافة الى جهاز من المدنيين المحليين والدوليين. ويعتمد هذا التكليف على قيام حكومة انجولا ، UNITA بتنفيذ اتفاقات السلام ، وبروتوكول لوساكا ، وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بذلك. وتقوم البعثة الجديدة بمراقبة والتحقق من بتنفيذ وقف اطلاق النار ، وفصل القوات، وإتمام تكوين الجيش الوطنى ، وأيضا حياد الشرطة المحلية ، ونزع سلاح المدنيين، وبسط نفوذ وسيطرة الدولة . وتقوم UNAVEM III أيضا بتنسيق الجهود الانسانية الخاصة بعملية السلام ، وبدعم ومتابعة العملية الانتخابية. (انظر قرار مجلس الأمن رقم 976).

ويرأس UNAVEM III ، اليون بلوندين بييه، الممثل الخاص لأمين عام الأمم المتحدة لدى انجولا . واعتباراً من 26 سبتمبر ، تم نشر ما يقرب من 5000 مراقب عسكرى تابعين للأمم المتحدة ومراقبى شرطة فى 55 موقعاً خارج لواندا، ذلك بالاضافة الى نشر ما يقرب من 2000 جندى. وفى الوقت الذى تم فيه إحلال وتسريح المقاتلين السابقين ببطء عما هو متوقع ، كانت عملية السلام تتقدم بشكل ثابت ومنتظم منذ اتخاذ القرار رقم 976 .

وللتوضيح للمجتمع الدولى وللأمة الانجولية التزامهم بالسلام ، وبالاسراع فى تنفيذ عملية السلام ، اجتمع الرئيس دوس سانتوس ، وجوناس سافيمبى ثلاث مرات منذ توقيع بروتوكول لوساكا ؛ حيث كان الاجتماع الأول فى لوساكا فى السادس من مايو ، واجتمعا للمرة الثانية فى فرانسفيل فى العاشر من أغسطس ، وفى الجابون ، وفى بروكسل يوم 25 سبتمبر حيث التقيا سرياً بمتبرعين فى مؤتمر تحت رعاية UNDP. وفى كل اجتماع ، كان الرئيس والسيد/ سافيمبى يلتقيان بصورة شخصية وعلى انفراد لمناقشة التطورات السياسية والعسكرية. وفى تقريره المؤرخ 17 يوليو إلى مجلس الأمن، لاحظ الأمين العام للأمم المتحدة أن "الجو العام لعدم الثقة بين الحكومة ، UNITA بدأ فى التضاؤل ، وبخاصة منذ الاجتماع الذى عقد فى لوساكا بين الرئيس دوس سانتوس والسيد/ سافيمبى. وبالاضافة الى ذلك ، وكجزء من اندماج UNITA فى الحكومة الوطنية حسبما أطلق عليها بموجب اتفاقية لوساكا ، عرضت الحكومة الانجولية واحداً من منصبى نائب الرئيس على السيد/ سافيمبى ، UNITA . وفى الثالث عشر من أغسطس وبعد الاجتماع الذى عقد بينه وبين الرئيس دوس سانتوس ، أعلن السيد/ فسافيمبى "انتهاء الحرب".


دوافع التفاؤل

كان لكل من الحكومة ، UNITA أسبابه الوجيهة لإنهاء الحرب الأهلية المدمرة. واستعادت الحكومة سيطرتها على معظم المدن والمناطق الرئيسية الأخرى التى حصلت عليها UNITA خلال الفترةة1992-1993 . وتسعى قيادة لواندا إلى تفادى حرب عصابات غير مجزية وليست لها نهاية. ولا تستطيع UNITA كسب المعركة من خلال مفاوضات تؤدى إلى تسوية سلمية أفضل من بروتوكول لوساكا .

وتماثل قوة الأمم المتحدة فى عددها البالغ 7000 مراقباً قوة حفظ السلام المرسلة إلى موزمبيق. وعلى النقيض ، فإن قوام UNAVEM II خمسمائة مراقب عسكرى وشرطة فقط . ذلك بالاضافة الى أن UNAVEM III على خلاف UNAVEM II سوف يكون من مهامها الفحص والرقابة والسيطرة والتحكم وليس مجرد المراقبة للمظاهر الرئيسية لاتفاقات السلام مثل نزاع السلاح واخلال وتسريح جنود UNITA .

وأخيراً ، فإن الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة لن تتحقق مالم تقتنع الأمم المتحدة بقيام حكومة انجولا UNITA بتنفيذ بروتوكول لوساكا.